الشوكاني
308
نيل الأوطار
أسرد الصوم وقد جعل المصنف رحمه الله تعالى هذا الحديث قوي الدلالة على فضيلة الفطر لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : فمن أخذ بها فحسن ، ومن أحب أن يصوم فلا جناح فأثبت للاخذ بالرخصة الحسن وهو أرفع من رفع الجناح . وأجاب الجمهور بأن هذا فيمن يخاف ضررا أو يجد مشقة كما هو صريح في الأحاديث ، وقد أسلفنا تحقيق ذلك . قوله : إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فيه دليل على أن الفطر لمن وصل في سفره إلى موضع قريب من العدو أولى ، لأنه ربما وصل إليهم العدو إلى ذلك الموضع الذي هو مظنة ملاقاة العدو ، ولهذا كان الافطار أولى ولم يتحتم ، وأما إذا كان لقاء العدو متحققا فالافطار عزيمة ، لأن الصائم يضعف عن منازلة الاقران ، لا سيما عند غليان مراجل الضراب والطعان ، ولا يخفى ما في ذلك من الإهانة لجنود المحقين وإدخال الوهن على عامة المجاهدين من المسلمين . ( فائدة ) المسافة التي يباح الافطار فيها هي المسافة التي يباح القصر فيها ، والخلاف هنا كالخلاف هناك ، وقد قدمنا تحقيق ذلك في باب القصر فليرجع إليه . باب من شرع في الصوم ثم أفطر فيومه ذلك عن جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم وصام الناس معه فقيل له : إن الناس قد شق عليهم الصيام وإن الناس ينظرون فيما فعلت ، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه فأفطر بعضهم وصام بعضهم ، فبلغه أن ناسا صاموا فقال : أولئك العصاة رواه مسلم والنسائي والترمذي وصححه . وعن أبي سعيد ، قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نهر من ماء السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة ونبي الله صلى الله عليه وآله وسلم على بغلة له فقال : اشربوا أيها الناس ، قال : فأبوا ، قال : إني لست مثلكم إني أيسركم إني راكب فأبوا ، فثنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخذه فنزل فشرب وشرب الناس وما كان يرى أن يشرب . وعن ابن عباس قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام الفتح في شهر رمضان فصام حتى مر بغدير في الطريق وذلك في نحر الظهيرة قال : فعطش الناس فجعلوا يمدون أعناقهم وتتوق